top of page
Search

إدوارد سعيد: مقابلة ليست أخيرة

  • Writer: Mohammad Gamal
    Mohammad Gamal
  • Aug 18, 2021
  • 3 min read

كتاب "إدوارد سعيد: مقابلة ليست أخيرة" تقديم وتحرير: محمد جمال


لديَّ دائمًا هاجس ملح بخصوص أولادي، ترى هل ستشكل لديهم القضايا العربية - وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي ومعاناة الشعب الفلسطيني - أدنى اهتمام؟ هل سيكون لديهم إلمام بتاريخ هذه القضية وبحقيقة الصراع الذي خاضت الشعوب العربية حروبًا طويلة ومريرة بسببه، وبحقيقة أنه لم ينتهِ نهاية عادلة ومنصفة تعود بالحق العربي والفلسطيني حتى هذه اللحظة؟ أرى الأجيال الأصغر وما يتعرضون له من تسطيح ثقافي وخداع إعلامي وتهميش سياسي، وأرى ما يتم الهرولة إليه تحت اسم أشياء مرواغة مثل الشراكة العربية الإسرائيلية الاستراتيجية ضد العدو الإيراني، وأشياء مثل «صفقة القرن» لتصفية القضية الفلسطينية، وتدشين السفارة الأمريكية الجديدة في مدينة «القدس» اعترافًا بها عاصمة لإسرائيل، وأتساءل ماذا سيكون أثر كل ذلك على وعي الأجيال الجديدة.

هذا هو الدافع الرئيسي لتقديم هذا الكتاب، محاولة لاستعادة الوعي بالقضايا الرئيسية عبر إلقاء الضوء على المقابلة الأخيرة التي تمت مع المفكر الفلسطيني الكبير «إدوارد سعيد» قبل وفاته في 25 سبتمبر 2003 بعد صراع طويل مع سرطان الدم. سعيد من مواليد القدس 1935، وعاش مع عائلته في القاهرة جانبًا لا يستهان به من طفولته، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة، حيث قضى أغلب حياته مشغولًا بقضايا أدبية وموسيقية وسياسية وفلسفية متنوعة، ومدافعًا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، ووقتًا ما وصفه الصحفى البريطاني الأشهر المتخصص في شئون الشرق الأوسط «روبرت فيسك» بأنه أكثر صوت فعَّال في الدفاع عن القضية الفلسطينية. الأستاذ «سعيد» أو البروفيسور «سعيد» كما يناديه طلبته بجامعة كولومبيا، حيث كان يدرس اللغة الإنجليزية والأدب المقارن، طالما شعرت ناحيته بحب واحترام عميقين، احترام التلميذ الباحث عن المعرفة والحكمة لأستاذه بالطبع، قرأت أغلب كتب سعيد، وشاهدت كل ما أمكنني الوصول إليه من محاضرات ولقاءات متلفزة موجودة على يوتيوب، أبهرني طول الوقت بعقليته التحليلية وثقافته الواسعة وذاكرته الحديدية ومنطقه الإنساني الرحب بجانب نفوره –دون مواربة أو مجاملة - من كل ما هو شائن وظالم وغير عادل وقبيح. وحب بالغ لقصته الشخصية التي تلمس جوانب إنسانية عميقة في نفس المرء، عن معاناته ونشأته القاسية وترحاله الدائم في صغره دون استقرار وصراع الهوية الذي كان يضطرم في نفسه. أحببت سيرته الذاتية «خارج المكان» بشكل أخص؛ ربما لأنها أفسحت المكان لوصف دقيق لحياة سعيد داخل القاهرة، حيث عاش في حي الزمالك، وبالتالي شعرت بنوع ما بالصلة مع الجانب المصري للأستاذ سعيد. وطالما رجعت إلى الفصول الأولى من الكتاب الذي يتذكر فيه الأستاذ حياته المصرية:

كان لـ «إعدادية الجزيرة» موقع مناسب في شارع عزيز عثمان، شارعنا القصير نسبيًّا في الزمالك، الذي لا يتعدى مسيرة ثلاثة صفوف من الأبنية تحديدًا. وكان الزمن الذي يستغرقني للذهاب إليها والعودة إلى البيت منها يثير دومًا إشكالًا مع أساتذتي وأهلي، وهو إشكال ارتبط في ذهني ارتباطًا لا ينفصم بكلمتين هما «التسكع» و«الكذب»، وقد أدركت معناهما لارتباطهما باجتيازي المتعرض والمليء بالتخييل لتلك المسافة القصيرة. جزء من تلكئي كان بسبب تأخير وصولي إلى أي من طرفي الشارع. وجزؤه الآخر كان بسبب افتتاني بالبشر الذين قد ألتقيهم على الطريق، أو بلمحات من الحياة ينكشف عنها باب مفتوح هنا وسيارة مارة هناك أو مشهد قصير على شرفة هنالك. ولما كان يومي يبدأ في السابعة والنصف، فقد كانت مشاهداتي موسومة لا محالة بنهاية الليل ومطلع النهار: الغفر المتدثرون بزيهم الأسود وهم ينزعون عنهم ببطء الأغطية والمعاطف الثقيلة، والسفرجية الناعسون يحثون إلى السوق لشراء الخبز والحليب، والسواقون يجهزون السيارات العائلية.

ثم حدث أن عثرت أثناء مطالعتي لما هو متاح للأستاذ وعن الأستاذ سعيد على يوتيوب على مقطع فيديو طويل مدته ثلاث ساعات وخمس وعشرون دقيقة بعنوان: «المقابلة الأخيرة - إدوارد سعيد»، وما إن بدأت في مطالعة الحوار الذي أجراه معه الصحفي والمذيع الأمريكي «تشارلز جلاس »، وترجمه إلى اللغة العربية في جهد مشكور الأساتذة «آية علي» و«رهف الغامدي» و«أيمن إدريس»، حتى فوجئت أن هذا الرجل قبل وفاته بسنة واحدة فقط وكان قد بدا عليه الإجهاد التام، قد أوتى – بشكل مدهش - من القوة ليستعرض حياته وأفكاره ومخاوفه وآماله خلال تلك المقابلة، وكأنه يملي وصية ما لجيل قادم. وعودًا إلى تخوفي ألا يجد أولادي يومًا ما من يرشدهم إلى ماضيهم ويؤسس لهم مفاهيم مثل الحق والعدل والإنسانية التي يمكن أن ينطلقوا منها إلى المستقبل، لا أجد أفضل من الأستاذ إدوارد سعيد ليقوم بذلك، لا أجد من دافع عن الحق الفلسطيني في الوجود بمنطق وبلاغة ومعرفة تاريخية قوية مثله، ولذلك قررت فورًا أن أقوم بإعداد عرض ملخص ومبسط عن المقابلة الأخيرة مع سعيد من أجل أولادي، ليقرءوها يومًا ما ويستعرضوا هذه الرحلة البانورامية البالغة التي أبحر فيها سعيد أثناء ثلاث ساعات ونصف. وهذا العرض للمقابلة من ناحيتي هو محاولة متواضعة للغاية من أجل أن تستمر تلك المقابلة، بين الأستاذ سعيد وبين الأجيال الجديدة، وأن تكون تلك المقابلة هي البداية وليست النهاية، بداية التعرف على أفكار هذا الرجل وأسلوبه النقدي المميز وشعوره القلق الدائم من الارتكان لأي أفكار نهائية مريحة، وجدله الدائم مع كل شيء من أجل توليد مزيد من الأسئلة والأفكار والنظريات.

وبدون إطالة أكثر من ذلك أترك حضراتكم في رحاب الأستاذ سعيد، متحدثًا عن الأسرة والأصدقاء واللغة والأدب والفن والموسيقى والتصوير والحب والاستشراق والسياسة والصراع والحق والفساد والحرب والسلام والشرق والغرب والقدس والضفة الغربية وغزة والهدف والغاية والمتعة والسعادة والإنسان والدين، وأشياء أخرى أعجز هنا عن حصرها.



Comments


© 2025- M. Gamal Official Website- by T.S. Hewitt. Proudly created with Wix.com

bottom of page