دروس وعبر من تجارب التحول الديمقراطي: خارطة طريق لمصر
- Mohammad Gamal

- Oct 15, 2025
- 4 min read

يُعد التحول الديمقراطي مساراً شاقاً ومعقداً، ولا يوجد نموذج واحد يصلح للتطبيق في جميع الدول. ومع ذلك، يمكن لمصر، التي مرت بتجارب مفصلية في تاريخها الحديث، أن تستلهم دروساً عميقة وعملية من تجارب دول أخرى مرت بظروف مشابهة، خاصة تلك التي شهدت أنظمة حكم سلطوية أو كان للجيش فيها دور مؤثر، أو عانت من استقطاب مجتمعي حاد وتحديات اقتصادية ضخمة. إن دراسة هذه النماذج لا تعني استنساخ التجربة بحذافيرها، بل استخلاص القواعد والمزالق التي يجب تجنبها لبناء مسار ديمقراطي مستدام ومصري خالص.
أولاً: تجربة تركيا - موازنة العلمانية والدين ودور الجيش
تُعد التجربة التركية، خاصة في مرحلة صعود حزب العدالة والتنمية، نموذجاً مهماً يمكن لمصر أن تستفيد منه، بالنظر إلى وجود تيارات إسلامية وعلمانية قوية ودور تاريخي مؤثر للمؤسسة العسكرية في الشأن السياسي.
الدروس المستخلصة:
1. احتواء التيارات الرئيسية وتفكيك "الدولة العميقة": نجحت تركيا في دمج التيار الديني في اللعبة السياسية الديمقراطية، بدلاً من إقصائه، وحدث ذلك عبر مراحل. الدرس المصري هنا يكمن في ضرورة إيجاد آلية سياسية تسمح بمشاركة جميع القوى الفاعلة التي تؤمن بالعملية الديمقراطية السلمية، وتجنب فخ الإقصاء الذي يولد العنف ويقوّض الاستقرار.
2. إصلاح العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية: كان للجيش التركي تقليدياً دور "حارس" للعلمانية والدستور، يتدخل بين الحين والآخر في الحياة السياسية. العمل على إخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية والدستورية، وتحديد دورها في حماية الحدود والأمن القومي دون التدخل في الشأن السياسي اليومي، هو ركيزة أساسية لأي تحول ديمقراطي حقيقي ومستقر في مصر.
3. الأداء الاقتصادي كمحرك للدعم الشعبي: ارتبطت شعبية حزب العدالة والتنمية ونجاح مسار التحول جزئياً بالنمو الاقتصادي الملحوظ وتحسن مستوى معيشة المواطنين في العقد الأول من الألفية. يوضح هذا أن الشرعية الديمقراطية وحدها لا تكفي؛ بل يجب أن تقترن بتحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
المزالق التي يجب تجنبها:
تحول التجربة التركية لاحقاً نحو تضييق مساحة الحريات وتقوية سلطة الرئيس يمثل تحذيراً لمصر، وهو أن بناء المؤسسات الديمقراطية يجب أن يتضمن نظاماً قوياً لـ الضوابط والتوازنات (Checks and Balances) لضمان عدم سيطرة أي طرف على مقاليد السلطة بشكل مطلق، بما في ذلك البرلمان أو المؤسسة التنفيذية.
ثانياً: تجربة دول أوروبا الشرقية (بولندا نموذجاً) - الوفاق الوطني والإصلاح الاقتصادي
تُشبه دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا، مصر في انتقالها من نظام سلطوي شمولي (أو شبه شمولي) إلى نظام ديمقراطي وسط تحديات اقتصادية كبرى.
الدروس المستخلصة:
1. الوفاق الوطني وبناء التوافق: كان النجاح البولندي مدفوعاً إلى حد كبير باتفاق "المائدة المستديرة" بين النظام والمعارضة (حركة التضامن). هذا يشدد على أهمية الحوار الوطني الشامل وغير الإقصائي في مصر، يجمع كل الأطياف السياسية (باستثناء من يتبنى العنف) للاتفاق على القواعد الأساسية للعبة السياسية وصياغة دستور توافقي. يجب أن يتجاوز الحوار الأطراف التقليدية ليضم ممثلين حقيقيين للمجتمع المدني والشباب.
2. التدرج في الإصلاح الدستوري والمؤسسي: عملية التحول في بولندا لم تكن طفرة فجائية، بل كانت عملية تدريجية سمحت ببناء المؤسسات وترسيخ الثقافة الديمقراطية. يجب على مصر أن تتبنى مساراً إصلاحياً لا يركز فقط على الانتخابات، بل على إصلاح الجهاز الإداري، وتفعيل دور المجالس المحلية، وتمكين المجتمع المدني.
3. إصلاح اقتصادي مصاحب: تطلب التحول الديمقراطي في بولندا إصلاحات اقتصادية عميقة (اقتصاد السوق) لكسر شوكة الاقتصاد الموجه وتوليد الثروة. الدرس هنا هو أن الإصلاح الديمقراطي في مصر يجب أن يسير يداً بيد مع إصلاح اقتصادي حقيقي يستهدف خفض المديونية، مكافحة الفساد، وتوفير فرص عمل للشباب، لتقليل الضغط الاجتماعي على النظام السياسي الجديد.
المزالق التي يجب تجنبها:
في كثير من هذه الدول، أدى "العلاج بالصدمة" الاقتصادي إلى فجوة طبقية كبيرة وتضخم، وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي. يجب أن يكون الإصلاح الاقتصادي المصري متوازناً ومصحوباً بشبكات أمان اجتماعي قوية.
ثالثاً: تجارب أمريكا اللاتينية (تشيلي والبرازيل) - التعامل مع تركة الاستبداد
تُقدم دول مثل تشيلي والبرازيل تجارب مهمة لمصر، خاصة فيما يتعلق بالانتقال من حكم عسكري أو سلطوي، والتعامل مع تركة من الانتهاكات وحقوق الإنسان.
الدروس المستخلصة:
1. العدالة الانتقالية والمصالحة: في تشيلي، كان التعامل مع تركة نظام بينوشيه العسكري أمراً حساساً. الدرس المصري هنا هو أن تحقيق مصالحة مجتمعية حقيقية يتطلب آليات للعدالة الانتقالية، تتضمن كشف الحقيقة حول الانتهاكات الماضية، تحقيق المساءلة بطرق تتجنب الانتقام، وتقديم تعويضات للضحايا. هذا المسار ضروري لطي صفحة الماضي وبناء الثقة في المستقبل.
2. دور النخب في عملية الانتقال: في البرازيل، تم الانتقال من نظام حكم عسكري عبر تفاهمات بين النخب السياسية القديمة والجديدة. هذا يؤكد على أهمية أن تتخذ النخب الحاكمة والمعارضة في مصر قرارات استراتيجية شجاعة تضع مصلحة الدولة فوق المصالح الحزبية أو الشخصية، والقبول بمبدأ التنازل المتبادل.
3. تحييد المؤسسات غير المنتخبة: غالباً ما يتطلب الانتقال الديمقراطي إعادة هيكلة للمؤسسات الأمنية والقضائية والإعلامية لضمان حيادها المهني واستقلاليتها عن السلطة التنفيذية، وهو أمر بالغ الأهمية لضمان سيادة القانون وحرية التعبير في مصر.
المزالق التي يجب تجنبها:
قد يكون المسار في أمريكا اللاتينية طويلاً وغير مباشر، مع فترات من التراجع. يجب أن تدرك مصر أن التحول ليس حدثاً، بل عملية مستمرة تتطلب صبراً، وأن نجاحها غير مضمون ما لم يتم الحفاظ على زخم الإصلاح.
رابعاً: الدروس الجامعة لتجربة مصر
استناداً إلى التجارب المقارنة وظروف مصر الخاصة، يمكن تجميع أهم الدروس في النقاط التالية:
1. الأولوية للمؤسسات وليس للانتخابات المبكرة: في مراحل هشاشة الدولة، قد تكون الانتخابات المبكرة سبباً لتعميق الاستقطاب بدلاً من تحقيقه للديمقراطية، كما حدث في بعض مراحل مصر بعد عام 2011. يجب أن تُعطى الأولوية لبناء قواعد اللعبة الديمقراطية أولاً، مثل: دستور توافقي، قانون عادل للانتخابات والأحزاب، قضاء مستقل، وتوافق وطني على دور القوى المختلفة (الجيش، المؤسسات الدينية، الأحزاب).
2. جودة الديمقراطية أهم من سرعتها: يجب أن يكون التحول الديمقراطي تدرجياً ويستهدف نشر الثقافة الديمقراطية في المجتمع والمؤسسات، والتأكيد على قيم التسامح والقبول بالاختلاف واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، بعيداً عن وهم "الطفرة الفجائية".
3. دور المجتمع المدني والإعلام الحر: في كل التجارب الناجحة، لعب المجتمع المدني والإعلام المستقل دوراً حاسماً في المراقبة والمساءلة وتشكيل الوعي. إن رفع القيود عن منظمات المجتمع المدني والصحافة هو مفتاح أساسي لضمان تدفق المعلومات والرقابة على السلطة.
4. التعامل مع التحديات الاقتصادية: يجب ربط مسار التحول الديمقراطي في مصر بتحقيق "عقد اجتماعي اقتصادي" جديد، يهدف إلى مكافحة الفساد بصرامة، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة، وتوسيع الطبقة الوسطى التي تُعد خزان الاستقرار السياسي.
في الختام، يظل مصير التحول الديمقراطي في مصر مرتبطاً بمدى قدرة نخبها السياسية والمجتمعية على تجاوز الاستقطاب، واستيعاب الدروس التاريخية، واعتماد مسار إصلاحي تدريجي وشامل يضمن إشراك الجميع تحت مظلة دولة مدنية ديمقراطية تخدم جميع مواطنيها. إن بناء ديمقراطية مستدامة يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، والعمل على بناء دولة مؤسسات لا دولة أفراد.



Comments