رؤية مصر ٢٠٣٠: ما الذي ينقصنا للتحول لقوة إقليمية؟
- Mohammad Gamal

- Oct 14, 2025
- 5 min read

تطمح مصر، بحكم موقعها الجيواستراتيجي وتاريخها العريق وثقلها السكاني، إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة ومركز محوري للتجارة والطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا. وقد وضعت الدولة "رؤية مصر 2030" كإطار وطني لتحقيق التنمية المستدامة، والتي تُعد الأساس لبناء القوة الشاملة. ورغم التقدم الملموس في البنية التحتية والاستقرار الأمني، إلا أن تحقيق مكانة القوة الإقليمية الفعلية خلال السنوات المتبقية حتى عام 2030 يتطلب معالجة تحديات هيكلية عميقة في أربعة أبعاد رئيسية: الاقتصاد المعرفي والمرونة المالية، الإدارة المستدامة للموارد، تعزيز النفوذ الدبلوماسي الفاعل، وضرورة الإصلاح السياسي والحوكمة. إن النجاح في هذه المحاور هو ما سينقل مصر من مرحلة "إعادة بناء الأساس" إلى مرحلة "القيادة والتأثير".
أولاً: التحدي الاقتصادي: التحول من الاستدانة إلى الإنتاج المعرفي
إن القوة الإقليمية تقاس أولاً بقوة اقتصادها وقدرته على تحمل الصدمات وتمويل تطلعاته الخارجية. ينقص مصر حتى عام 2030 تحقيق تحول اقتصادي نوعي يقلل من الاعتماد على الاستدانة والدخل الريعي، ويعزز القيمة المضافة لمنتجاتها.
1. تسريع التحول نحو اقتصاد المعرفة والرقمنة
تُشكل الثورة الصناعية الرابعة أساس القوة العالمية الجديدة، ولا يمكن لمصر أن تكون قوة إقليمية دون أن تصبح رائدة في المنطقة في هذا المجال. يتطلب هذا التركيز على:
• الاستثمار في رأس المال البشري: رغم أن مصر تتمتع بأكبر كتلة سكانية شابة في المنطقة، إلا أن مؤشرات جودة التعليم والتدريب المهني لا تزال تحتاج إلى قفزات نوعية. يجب أن تُخصص استثمارات ضخمة لربط مخرجات التعليم الجامعي والتقني بالاحتياجات المتغيرة للسوق، خاصة في مجالات البرمجيات، الذكاء الاصطناعي، والهندسة المتقدمة.
• التحول الرقمي للقطاعات: يجب تسريع تطبيق خطط الرقمنة الحكومية وتشجيع القطاع الخاص على تبني التكنولوجيا الحديثة لرفع كفاءة الإنتاجية وخفض تكلفة ممارسة الأعمال. لا يُمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام (بنسبة مستهدفة تتجاوز 7%) دون أن تكون التكنولوجيا هي القاطرة الأساسية.
2. تحقيق المرونة المالية وخفض مديونية الدولة
إن ارتفاع مستويات الدين العام يضع قيوداً على الإنفاق الاستثماري والقدرة على المناورة الاقتصادية في ظل تقلبات الأسواق العالمية. لكي تصبح مصر قوة إقليمية حقيقية، يجب عليها تحقيق ما يلي بحلول 2030:
• تطوير الصادرات والاحتياطي النقدي: التركيز على زيادة المكون المحلي في الصناعات التصديرية وتعميق التصنيع للحد من فاتورة الواردات. الهدف ليس فقط زيادة حجم الصادرات، بل زيادة تعقيدها التكنولوجي وقيمتها المضافة.
• تحسين مناخ الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI): جذب استثمارات نوعية طويلة الأمد يتطلب إصلاحات سريعة وشفافة في الإجراءات البيروقراطية والقضائية لضمان حقوق المستثمرين، مما يعزز الثقة في الاقتصاد الكلي.
ثانياً: تحدي الاستدامة: الأمن المائي والطاقة الخضراء
إن النفوذ الإقليمي لدولة بحجم مصر مرتبط بشكل وجودي بأمنها المائي وقدرتها على تحقيق استدامة الطاقة في ظل التحديات البيئية والمناخية المتصاعدة.
1. حسم ملف الأمن المائي والتكيف مع المناخ
التهديدات المرتبطة بتغير المناخ وتحديات حوض النيل تضع الأمن المائي على رأس الأولويات. ينقص مصر تسريع الإجراءات التالية:
• التوسع في تحلية ومعالجة المياه: يجب مضاعفة القدرات الحالية لمحطات تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي والزراعي، لتأمين مصادر غير تقليدية للمياه وتخفيف الضغط على حصة النيل الثابتة.
• إدارة كفاءة الري: تطبيق تكنولوجيات الري الحديثة على مساحات زراعية أوسع والتحول إلى زراعة محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، مما يزيد من كفاءة استخدام الموارد المحدودة.
2. الريادة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر
لقد خطت مصر خطوات كبيرة لتصبح مركزاً إقليمياً للطاقة. ولكن القوة الإقليمية بحلول 2030 تتطلب:
• تحقيق أهداف مزيج الطاقة: الوصول إلى نسبة مساهمة للطاقة المتجددة لا تقل عن 42% من إجمالي مزيج الكهرباء بحلول عام 2030، كما هو مخطط.
• الريادة في الهيدروجين الأخضر: ترسيخ منطقة قناة السويس كمركز عالمي لإنتاج الهيدروجين الأخضر، والاستفادة من الموقع لتصدير هذه الطاقة النظيفة، مما يضمن تدفق عملة صعبة مستدامة ويعزز النفوذ الجيوسياسي لمصر.
ثالثا: تعزيز النفوذ الدبلوماسي الفاعل
• تحديات المحيط الاستراتيجي: من ليبيا إلى اليمن
يُشكل المحيط الإقليمي المضطرب تحدياً مباشراً للأمن القومي المصري، ويضع رؤية 2030 أمام اختبار حقيقي. ففي ليبيا، ورغم الجهود الدبلوماسية المصرية، لا يزال الانقسام السياسي يهدد استقرار الحدود الغربية، بينما يتطلب الصراع في السودان استجابة أكثر فعالية لتفادي تداعياته الأمنية والإنسانية على مصر. وفي البحر الأحمر، تهدد التوترات المتصاعدة أمن الملاحة وقناة السويس، مما يستوجب تعزيز القدرات البحرية والدبلوماسية في آن واحد. أما في المشرق العربي، فإن الأزمات في سوريا ولبنان واليمن تُضعف الأمن العربي المشترك، وتفرض على مصر مسؤولية أكبر في تنسيق المواقف العربية وإيجاد حلول دبلوماسية تنهي حالة الفوضى. إن رؤية 2030 يجب أن تتجاوز حدود التنمية المحلية لتبني استراتيجية إقليمية شاملة تتعامل مع هذه التحديات كأولوية قصوى.
• أزمات الموارد والمصالح: سد النهضة والغاز في شرق المتوسط
تتجلى أهمية الدبلوماسية الجيوسياسية في قضايا الموارد الحيوية، وأبرزها مشكلة سد النهضة الإثيوبي. فرغم الجهود التفاوضية، لم يتم التوصل إلى اتفاق ملزم يضمن حقوق مصر المائية، مما يضع الرؤية أمام خطر استراتيجي يهدد الأمن الغذائي والمائي. إن رؤية 2030 تحتاج إلى خطة دبلوماسية وقانونية أكثر حزماً وفعالية، تتجاوز مرحلة المفاوضات وتستند إلى القانون الدولي. وفي شرق المتوسط، يتطلب صراع الغاز تحالفات مرنة واستراتيجية طاقة إقليمية تضمن لمصر الاستفادة الكاملة من مواردها. فالمطلوب ليس فقط اكتشاف الغاز، بل أيضاً بناء شراكات قوية مع دول الجوار لمواجهة التحديات التركية والإسرائيلية، وتفعيل دور منتدى غاز شرق المتوسط كمنصة لحماية المصالح المشتركة.
• فجوة القوة الناعمة وسلاسل التوريد
على الرغم من التقدم في البنية التحتية، تظل هناك فجوة في استثمار القوة الناعمة لمصر، وهي جزء حيوي من الرؤية. فالدبلوماسية الثقافية والإعلامية لم تصل بعد إلى مستوى التأثير المطلوب، ولم تُترجم إلى نفوذ حقيقي في عواصم القرار العالمية. علاوة على ذلك، أظهرت أزمات سلاسل التوريد العالمية هشاشة في قدرة مصر على حماية اقتصادها من الصدمات الخارجية، مما يفرض على رؤية 2030 ضرورة بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة، وتقليل الاعتماد على الواردات. إن تفعيل الدور المصري كقوة إقليمية لا يكتمل إلا بامتلاك القدرة على التحكم في سلاسل التوريد الاستراتيجية وضمان أمنها الاقتصادي، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة في الصناعات الوطنية واللوجستيات. إن تحويل الرؤية إلى حقيقة يتطلب استراتيجية متكاملة تربط بين الدبلوماسية الصلبة والقوة الناعمة والأمن الاقتصادي.
رابعا: تحدي الحوكمة والإصلاح السياسي: ركيزة القوة الناعمة
إن القوة الإقليمية المستدامة لا تنبع من القوة الصلبة والاقتصاد وحده، بل تتطلب شرعية داخلية قوية ونظاماً حوكمياً مرناً يضمن الاستقرار والعدالة. هذا البُعد هو ما ينقص مصر لتكتمل عوامل قوتها الناعمة.
1. تعزيز الحريات العامة والتداول السلمي للسلطة
إن الانفتاح السياسي واحترام الحريات الأساسية هو ما يفتح آفاق الإبداع، ويجذب العقول، ويحسن صورة الدولة إقليمياً وعالمياً، وهو عامل حاسم لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر الحقيقي.
• ضمان الحقوق والحريات: يجب العمل على ترسيخ سيادة القانون وضمان حريات التعبير والتنظيم المدني والإعلام، وإطلاق حوار وطني حقيقي يستوعب كافة الأطياف السياسية في إطار ديمقراطي سلمي.
• آليات التداول السلمي: يجب تفعيل وتأمين الآليات الدستورية التي تضمن التداول السلمي والمنتظم للسلطة كركيزة للاستقرار على المدى الطويل، وليس كأمر طارئ. إن دولة ذات بنية سياسية قوية ومستقرة داخليًا هي فقط من يمكنها ممارسة نفوذها الخارجي بفعالية وثقة.
2. العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية
الاستقرار الحقيقي الذي تبنى عليه القوة الإقليمية يتطلب تجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك على أساس العدالة.
• تحقيق المصالحة: يتطلب الأمر إطلاق حزمة إجراءات ذات مصداقية تهدف إلى المصالحة المجتمعية الشاملة، ومعالجة تداعيات الأزمات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد في العقود الأخيرة.
• تفعيل العدالة الانتقالية: تطبيق آليات للعدالة الانتقالية تعتمد على الشفافية والمساءلة القانونية حيثما يتطلب الأمر، وجبر الضرر، وتوفير الضمانات اللازمة لعدم تكرار الانتهاكات، مما يعزز الثقة بين الدولة والمواطن.
3. تخارج المؤسسة العسكرية من النشاط الاقتصادي
إن تخارج القوات المسلحة التدريجي من القطاعات الاقتصادية المدنية التنافسية هو شرط أساسي لـ تحرير الاقتصاد وزيادة تنافسيته وجاذبيته للاستثمارات الخاصة، المحلية والأجنبية.
• تعزيز المنافسة العادلة: يجب أن يكون الهدف بحلول 2030 هو تعزيز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو، وذلك بتوفير بيئة سوق حرة وعادلة. يتطلب هذا وضع إطار زمني واضح ومُعلن لخصخصة أو بيع أصول مملوكة للدولة، بما فيها الأصول التي تديرها المؤسسة العسكرية، والتي لا تتعلق بمهامها الدفاعية المباشرة.
• الشفافية والحوكمة: تطبيق معايير الشفافية والإفصاح الكامل على كافة الأنشطة الاقتصادية، بما يضمن تكافؤ الفرص لجميع المستثمرين ويحسن تصنيف مصر في مؤشرات الحوكمة العالمية، وهو ما يُترجم مباشرة إلى قوة اقتصادية وسياسية إقليمية.
الخلاصة: 2030 كبوابة للقوة الشاملة
إن ما ينقص مصر لتصبح قوة إقليمية بحلول عام 2030 هو التحول الحاسم من مرحلة "إدارة الأزمات والتكيف" إلى مرحلة "التأثير والقيادة". هذا التحول يتوقف على مدى نجاحها في: خلق اقتصاد معرفي منافس، تأمين استدامة مواردها المائية والطاقة الخضراء، وإنجاز إصلاحات سياسية جوهرية تشمل الحريات والتداول السلمي للسلطة وتخارج الدولة من الاقتصاد، لتعزيز شرعيتها وقوتها الناعمة. رؤية 2030 ليست مجرد أهداف تنموية؛ إنها خارطة طريق لإعادة صياغة مكانة مصر في النظام الإقليمي والعالمي الجديد.



Comments