top of page
Search

ماثيو ماكونهي: قصائد وأدعية، وما ورائهما

  • Writer: Mohammad Gamal
    Mohammad Gamal
  • Sep 29, 2025
  • 6 min read
شهدت مسيرة ماكونهي نقطة تحول كبرى عندما قرر الانسحاب من أضواء هوليوود، وهي الفترة المعروفة بـ "النهضة الماكونهية"
شهدت مسيرة ماكونهي نقطة تحول كبرى عندما قرر الانسحاب من أضواء هوليوود، وهي الفترة المعروفة بـ "النهضة الماكونهية"

في مقابلة شاملة مع النجم ماثيو ماكونهي ضمن برنامج ميجن كيلي شو، والتي يناقش فيها كتابه الجديد "قصائد وأدعية" (Poems & Prayers) وتحولاته الحياتية والمهنية والفلسفية، نقدر نطلق على المقابلة دي عنوان: "الابتعاد عن هوليوود، تربية الأبناء، وقوة الإيمان"


تمثل هذه المقابلة التلفزيونية العميقة بين الصحفية ميجن كيلي ونجم هوليوود الحائز على جائزة الأوسكار ماثيو ماكونهي، فرصة نادرة للغوص في عقل وفلسفة أحد أكثر الممثلين تميزاً في جيله. المقابلة ليست مجرد ترويج لكتابه الجديد "قصائد وأدعية"، بل هي استكشاف لجذوره، تحولاته المهنية، ونظرته الفريدة للحياة والأبوة. يمكن تقسيم محتوى المقابلة إلى محاور رئيسية تكشف عن القناعات الراسخة التي صقلت شخصية ماكونهي وقراراته.



المحور الأول: الجذور العائلية وبداية المسيرة المهنية


بدأت كيلي المقابلة بنبرة شخصية، مشيرة إلى نقطة مشتركة مؤلمة بينهما وهي فقدان الأب في سن مبكرة (ماكونهي كان في الثانية والعشرين).


١. تأثير الأب: "لا تكن نصف رجل"


يتحدث ماكونهي عن والده الراحل (الذي توفي بطريقة فريدة كما تنبأ: أثناء ممارسة الحب مع والدته) كـ "العكاز" الذي كان يعتمد عليه. فقدانه مثل سحب مظلة الأمان، مما أجبره على الانتقال بسرعة من مرحلة "التمثيل" في الحياة (أي تقليد ما علمه إياه والده) إلى مرحلة "الصيرورة" (أي أن يصبح بالفعل الرجل الذي دربه والده ليكون).


النصيحة الأهم التي شكلت مسيرته كانت عندما اتصل بوالده ليخبره بقراره بترك كلية الحقوق والالتحاق بمدرسة السينما (في جامعة تكساس)، رغم أنه لم يكن قد مثل على المسرح قط. بعد صمت طويل، جاء الرد الأبوي الحاسم: "تأكد من أنك لن تفعلها بأنصاف الجهود" (Don't half-ass it). لم يكن هذا مجرد ترخيص، بل كان "وقود صواريخ" دفعه للنجاح. يؤكد ماكونهي أن والده لم يكن يؤمن بموهبته التمثيلية حينها، بل آمن بـاليقين والثقة التي سمعها في صوته أثناء اتخاذ القرار.


٢. الولوج إلى هوليوود


يروي ماكونهي بداياته غير التقليدية، حيث لم يكن شجاعًا بما يكفي ليطلب أن يكون أمام الكاميرا، بل بدأ دراسة الإخراج والسيناريو (رغبة في الانخراط في "أعمال سرد القصص"). تحول بعدها إلى التمثيل صدفة بعد دوره الأول في فيلم Dazed and Confused، حيث حقق نجاحًا مبكرًا وغير متوقع، مما دفعه للتساؤل: "هل هذا قانوني؟"



المحور الثاني: "النهضة الماكونهية" وفلسفة الأبوة


شهدت مسيرة ماكونهي نقطة تحول كبرى عندما قرر الانسحاب من أضواء هوليوود، وهي الفترة المعروفة بـ "النهضة الماكونهية" (McConaissance).


١. الابتعاد عن "فتى الكوميديا الرومانسية"


بعد سنوات من النجاح الباهر والربح الوفير في أفلام الكوميديا الرومانسية (مثل How to Lose a Guy in 10 Days و The Wedding Planner)، وجد ماكونهي نفسه محصوراً في هذا القالب. رفضت هوليوود أن تعرض عليه أدواراً درامية جادة، حتى لو وافق على تخفيض هائل في أجره، مطالبين إياه بـ "البقاء في حارته" (Stay in your lane).


كان قراره هو التوقف عن العمل تماماً. عاد إلى موطنه تكساس واختفى عن المشهد لمدة عامين تقريباً. كانت زوجته كاميلا داعمة لهذا القرار، لكنها حذرته بأنه "لا توجد مظلة للقفز، وقد تكون قد كتبت لنفسك تذكرة خروج بلا عودة من هوليوود." رفضه لأفلام كوميدية رومانسية عُرضت عليه بمبالغ خيالية (وصلت إلى ١٤.٥ مليون دولار) أرسل "رسالة غير مرئية" إلى هوليوود: ماكونهي لا يمزح، إنه يلعب "الهجوم" لا "الدفاع". بعد عامين، بدأت الأدوار الدرامية التي يريدها في التدفق، وصولاً إلى فوزه بالأوسكار عن فيلم Dallas Buyers Club عام ٢٠١٣.


٢. مبدأ "الأب المحافظ ثم الأب الليبرالي"


عندما قرر ماكونهي وزوجته إنجاب الأطفال، كان شرط كاميلا: "إذا ذهبت أنت، ذهبنا نحن". وهذا يعني أن العائلة ترافقه في كل موقع تصوير حول العالم، وهو ما يعتبره امتيازاً عظيماً رغم التضحيات التي قدمتها زوجته.


في تربية أبنائه، يلخص ماكونهي فلسفته بالقول: "محافظ في البداية، ليبرالي في النهاية" (Conservative early, liberal late). يرى أنه يجب على الأطفال أولاً أن يتعلموا كيف "يحجبون ويتعاملون" (أي يتقنون المهارات الأساسية: الأدب، الأخلاق، الرياضيات، الاحترام) قبل أن يرفعوا "علم الانحراف" (أي أن يعبروا عن فرديتهم بحرية). يؤكد على أهمية تأسيس أساس متين ليفهموا "من هم" و "من ليسوا"، قبل الانطلاق في عالم الخيال والأحلام.


كما يشدد على أن وظيفته الأولى كأب هي "مساعدة أطفاله على أن يصبحوا ما هم عليه، وليس ما يريده هو أن يكونوا". ولهذا، فهو يفضل أن يكون أباً لأبنائه في البداية، ثم أخاً كبيراً لهم في سنوات المراهقة، وليس صديقاً مباشراً.


٣. التعامل مع الواسطة (Nepotism) ودور ابنه ليفي


يتطرق ماكونهي بذكاء لمسألة "أبناء النخبة" (Nepo Babies)، خاصة بعد مشاركة ابنه ليفي (١٧ عاماً) في فيلمه الجديد The Lost Bus. يؤكد أنه لم يرغب أبداً في أن يشعر أبناؤه بالاستحقاقية (Entitlement).


عندما طلب ليفي التجربة للدور، لم يجبه مباشرة، بل طلب منه أن يثبت رغبته أربع مرات. بعد ذلك، علمه ماكونهي الاحترام للـ "حرفة" التمثيل. والأهم من ذلك، طلب من مديرة الكاستينج إزالة اسم عائلته الأخير من التسجيل قبل إرساله إلى المخرج. لقد أراد أن يفتح له الباب (بفضل وصوله)، لكن الابن يجب أن ينجح بفضل موهبته. وعندما نجح ليفي، أخبره ماكونهي بدرس الحياة القاسي: "اسم عائلتك سيجلب لك الثناء في أماكن لا تستحقها، وسيتم انتقادك في أماكن لا تستحقها... العدل ليس له علاقة بهذا" (Fair has nothing to do with this).



المحور الثالث: فلسفة الحياة والقيم الروحية


يحتوي الكتاب "قصائد وأدعية" والفلسفة الشخصية لماكونهي على دروس عميقة حول القيم التي يؤمن بها.


١. الرجل الصالح مقابل الرجل اللطيف


من أبرز النقاط الفلسفية التي طرحها ماكونهي هو الفرق بين "الرجل الصالح" (Good Man) و "الرجل اللطيف" (Nice Guy).


• الرجل اللطيف يؤدي أدواراً مريحة، ويتجنب النزاع، ويسعى ليحب الجميع.


• الرجل الصالح يتبنى مُثلاً معينة ويدافع عنها. وعندما يتم تحدي هذه المعتقدات، فالرجل الصالح ليس لطيفاً (Good man is not a nice guy).


التحول إلى "رجل صالح" يعني استعدادك لمواجهة الأزمات بدلاً من الهروب منها، والوقوف ضد الجماهير عند الضرورة، وتقبُل تلقي "نصال الخيانة" (Blades in the back). هذا يتطلب شجاعة والتخلي عن الرغبة في أن تكون محبوباً دائماً.


٢. الأنانية السامية والذئبين


يستمد ماكونهي من الحكمة الروحية، فيشير إلى مفهوم "الذئب الصالح والذئب السيئ" (Good Wolf and Bad Wolf)، مؤكداً أن الإنسان يختار أي ذئب يغذيه.


كما يقتبس من كتابه عبارة قوية: "لا تطمع في شيء سوى ذاتك المتفوقة" (Covet nothing but your superior self). هذه دعوة للتحول بدلاً من التبادل (Transformation over transaction)، وللتركيز على الفردية بدلاً من الامتثال (Individuality over conformity). ويرى أن الحسد والطمع في ما يملكه الآخرون هو علامة على عدم الرضا الداخلي، والحل يكمن في التركيز على تحسين الذات.


٣. المخاطرة وريادة الأعمال


يتحدث عن أهمية المخاطرة، حتى بعد النجاح. يتساءل: "هل يكون الإله أكثر سعادة إذا خضنا ثماني مخاطرات كبرى ونجحنا في سبع منها، أم خضنا مائة مخاطرة ونجحنا في ثماني منها؟" ويخلص إلى أن الخطأ الحقيقي هو عدم المحاولة على الإطلاق (Not taking enough risks)، لأن كلمة "خطيئة" (Sin) في الأصل تأتي من مصطلح الرماية الذي يعني "إضاعة الهدف" (To miss the mark).


كما يقارن بين "الفاعلين" (Doers) الذين يتسلقون الجبال ورؤوسهم مطأطأة (وقد يتسلقون الجبل الخطأ)، و "الحالمين" (Dreamers) الذين ينظرون إلى الأعلى ويختارون الجبل الصحيح. وهو يسعى للجمع بين صفة "الفاعل" التي اكتسبها في شبابه وبين صفة "الحالم" التي اكتشفها لاحقاً.



المحور الرابع: صناعة السينما والمستقبل السياسي


١. النزعة الحالية في صناعة الأفلام


ينتقد ماكونهي الاتجاه الحالي في صناعة الأفلام، خاصة مع صعود منصات البث (Streaming)، التي تتجه نحو "اختصار الفصل الأول" (Cutting the First Act) من الفيلم. يرى أن الفصل الأول (الذي كان يبدأ تقليدياً في الصفحة ٣٨ في السيناريو وأصبح الآن في الصفحة ١١) هو المكان الذي يتم فيه إعداد العالم والشخصيات للمشاهد. هذا التسرع يقضي على الأصالة والتفاصيل، مما يجعل الأفلام متشابهة وتفتقر إلى العمق الذي ميز مسلسلات مثل True Detective.


كما يلاحظ أن العروض لا تحظى بالحصرية التي كانت تتمتع بها الأفلام في السينما (الخروج ليلة الجمعة لمشاهدة فيلم جديد)، مما يقلل من قيمتها ويجعلها مجرد جزء من "كتالوج" مكتبة عملاقة.


٢. السياسة والمستقبل


بخصوص احتمال ترشحه لمنصب سياسي (مثل حاكم ولاية تكساس)، يؤكد ماكونهي أنه "لم يلغِ الفكرة" (Has not canceled it out)، لكنه يعيد النظر باستمرار في الأدوار القيادية التي يمكن أن يكون فيها "الأكثر نفعاً".


يصف لغته بأنها لغة "الشاعر والفيلسوف" (Poet and Philosopher) الذي يتعامل مع القيم والتقدم، وهي مجالات "فوق" المجال السياسي التقليدي الذي يغرق في "صراع اليمين واليسار". ويشدد على أنه لن يدخل هذا المجال إذا كان سيتطلب منه "خيانة الذات" (Betray myself)، وهو ما يراه أمراً متأصلاً في عالم السياسة. هدفه الحالي هو التركيز على تربية أبنائه ليكونوا أفراداً أصحاء ومميزين.



خلاصة العرض


تُظهر المقابلة أن ماثيو ماكونهي ليس مجرد نجم سينمائي، بل مفكر عميق يرتكز على قيم متينة. لقد قاد حياته وفقاً لمبدأ المخاطرة المحسوبة، والتحول الذاتي، والابتعاد عن الراحة. رسالته الأساسية هي: "عش الفيلم الوثائقي الذي تعيشه"، أي كن شخصيتك الخاصة، وشارك في قيادة حياتك بصدق وثقة، دون الخوف من الانتقادات، مع التركيز على دورك الأبوي كمرشد ومؤسس للقيم وليس كصانع قرار بديل لأبنائك.

 
 
 

Comments


© 2025- M. Gamal Official Website- by T.S. Hewitt. Proudly created with Wix.com

bottom of page